U3F1ZWV6ZTIzNTI1NjE0MzQyX0FjdGl2YXRpb24yNjY1MTI3NTM2MDQ=
random
أخبار ساخنة

المهن النفسية بالمغرب: التباس في المفاهيم وصراع في التسميات

المهن النفسية بالمغرب: التباس في المفاهيم وصراع في التسميات
المهن النفسية بالمغرب: التباس في المفاهيم وصراع في التسميات



سأحاول في هذه الورقة الموجزة الكشف عن بعض من الالتباس والغموض الذي يلازم تعاطي مجموعة من الناس، سواء من العامية أو المتخصصين مع عدد من المصطلحات التي تنتمي للحقل السيكولوجي، خاصة على مستوى التسميات التي تعبر عن بعض التخصصات: الطبيب النفسانيpsychiatre ، الأخصائي النفساني psychologue، المعالج النفسانيpsychothérapeute ، المدرب أو الكوتشcoach ...ثم على مستوى الأساليب والمقاربات التي يعتمدها كل واحد منهم في تعاطيه مع الظواهر النفسية، وكذا الصلاحيات التي يمنحها القانون لكل من هذه التخصصات ومدى وجود هذه القوانين المنظمة للحقل النفسي أصلا.

من المرض العقلي إلى الاضطراب النفسي...إشكال توصيفات:



على امتداد الزمن عرفت التوصيفات التي تسم الاعتلالات التي تلحق بالصحة النفسية للأفراد عموما، تطورا يعبر في كثير من الأحيان عن مدى تقدم واختلاف تعاطي الدول مع هذا الحقل على مستوى البحث والممارسة. بمعنى أن الدول المتقدمة في المجال قطعت أشواطا متقدمة بادئة بتعديل التوصيفات التي تصف الاعتلال النفسي. ففي فرنسا مثلا لم تعد تستعمل كلمة "أحمق"  "fou"، وتم تعويضها بكلمة "Aliéné".
وقد كانت ولاتزال هناك مجموعة من التوصيفات والتسميات المرتبطة بالمجال والتي لازلت إلى اليوم تتداول من طرف العديد من الأفراد وفي وسائل الإعلام، بل حتى من جانب عدد من المتخصصين أنفسهم (المجنون، الأحمق، المعتوه، المريض العقلي، المختل عقليا...)، والتي لاشك أنها تختلف عن التسميات العلمية المتعارف عليها اليوم في التصنيفات الدولية. حيث أصبح الحديث اليوم عن الاضطراب النفسيtrouble psychique  عوض المرض النفسي، والاضطرابات الذهنية  troubles mentaux عوض الأمراض العقلية...حتى أنه بعض الاضطرابات النفسية، خاصة اضطرابات النمو أصبح يشار لها فقط بكلمة تناذر أو "ساندروم" (ساندروم ويليامس syndrome de Williams  كمثال).

الطبيب النفساني والأخصائي النفساني...حين تتداخل التخصصات:


لقد ظل إشكال العلاقة بين الطبيب النفساني والأخصائي النفساني وتداخل تخصصات كل منهما، من الإشكالات التي تحمل في طياتها الكثير من أوجه الالتباس، سواء في تعاطي العامية من الناس أو من المثقفين، وأحيانا حتى من جانب المنتسبين للحقل السيكولوجي أنفسهم.
تدل تسمية طبيب نفساني أنه خريج كلية الطب، بمعنى أنه قضى نفس سنوات وبرامج التكوين التي يتلقاها بقية الأطباء العاميون، وبعد ذلك تخصص في الطب النفسي شأنه في ذلك شأن ذلك الذي تخصص في العظام أو الأسنان...الخ. الأمر الذي يفسر حضور النزعة البنيوية والتشريحية ثم المقاربة الدوائية في تعاطيه مع الحالات. لكن هذا لا يعني إمكانية وجود أطباء نفسانيون يعتمدون الجمع بين العلاج الدوائي واعتماد أحدث المقاربات العلاجية النفسية في ممارساتهم، خصوصا من يتوفر منهم على صفة معالج نفسي إلى جانب صفة طبيب ويعتمدها فعليا، مما يعني أحيانا احتكار الممارسة التدخلية، في ظل غياب قوانين حقيقية منظمة للقطاع، وجهل غالبية الناس بوجود الأخصائي النفسي، وفي ظل غياب تام لعلاقات التعاون والانسجام التي من المفترض أن تقوم بين الطبيب النفساني والأخصائي النفساني عندنا، كما هو موجود في دول أخرى، حيث نجد أحيانا حالات يشرف عليها طبيب نفسي وأخصائي نفسي في نفس الوقت سعيا للفعالية العلاجية.
أما الأخصائي النفسي فهو في الغالب يكون خريج كلية الآداب أو كلية التربية أو كلية علم النفس كما هو موجود مثلا في دولة الجزائر، حيث تتوفر على كلية خاصة بعلم النفس. يكون قد قضى على الأقل خمس سنوات من التخصص بعد الباكالوريا، ثلاث سنوات للإجازة الأساسية وسنتين من الماستر، خصوصا الماستر ذي الطابع الاكلينيكي، مع ضرورة القيام بتداريب عياديةstages cliniques  ميدانية قد تصل أحيانا إلى 300 ساعة حسب القانون الفرنسي، بينما عندنا في المغرب ليس هناك تحديد دقيق لعدد هذه الساعات. والأكيد أن داخل صفة الأخصائي النفسي نجد تصنيفات عديدة حسب التخصص الذي تعمق فيه النفساني في سلك الماستر أو الدكتوراه، فهناك الأخصائي الاكلينيكي  psychologue clinicien وهناك الأخصائي السيكوعصبيneuropsychologue  ثم الأخصائي السيكواجتماعيpsychosociologue ...الخ
وفي إطار مقاربته للحالات المرضية وللاستشارات النفسية ومختلف تدخلاته التي تتعدد، غالبا ما يعتمد الأخصائي النفساني على العلاج بالجلسات والمقابلات الاكلينيكيةles entretiens cliniques  التي يركز فيها بالخصوص على الجانب التشخيصيDiagnostic  بالاعتماد على الاختبارات النفسيةles tests psychologiques ، سواء ذات الطابع الإسقاطيprojectives  كاختبار "الرورشاخ" أو اختبار "تفهم الموضوعTAT " أو اختبارات الرسم أو اختبارات الفحص النفسي العصبيles tests neuropsychologiques  أو المقاييس التقييمية les échelles ...الخ تبعا لطبيعة الحالة وسنها، وتبعا للمرجعية النظرية والتدخلية التي يعتمدها النفساني، بين المرجعية التحليلنفسية التي تعتمد برطوكول علاجي protocole thérapeutique خاص يرتكز على ضوابط أساسية، من بينها على سبيل المثال لا الحصر، ضرورة العودة إلى التاريخ الشخصي للحالة والبحث في دوافعها اللاشعورية، حيث يعتبر المفحوص عنصرا سلبيا يكتفي بالتمدد على الأريكة والاستجابة لتوجيهات المعالج عبر تداعي الكلمات والأحداث. ثم المرجعية المعرفية التي تقوم على تقنيات تشخيصية وتدخلية متطورة وذات طابع نفعي يبحث عن حل المشكل بدل العودة إلى تاريخه ومصدره. ولعل أهم مقاربة علاجية في هذا الإطار هي "العلاج المعرفي السلوكيThérapie Cognitive Comportementale " الذي يقوم على أساس تعاقدي بين المعالجle thérapeute  والمعالجle patient  يبدأ بتحديد البروطوكول العلاجي الذي يحدد عدد الحصص ويلزم المفحوص بضرورة المشاركة الايجابية في الخطة العلاجية عبر تمارين منزلية وتقييمات متكررة...الخ. وغالبا ما تكون هذه التقنية فعالة في علاج اضطرابات بسيطة من قبيل اضطرابات القلق L’anxiété والرهاباتles phobies  والاضطرابات السلوكيةles troubles de comportement  عند الأطفال...
وبالنظر إلى عجز العلاج المعرفي السلوكي في التعاطي مع العديد من الاضطرابات النفسية، خاصة اضطرابات المحور الأول le premier axe من الدليل التشخيصي للاضطرابات الذهنيةDSM  (اضطرابات التغذية، الاضطرابات السيكوسوماتيكيةpsychosomatiques ، الاضطرابات الجنسية، اضطرابات الإدمان على المواد وغير المواد...)، ثم اضطرابات الشخصية والاضطرابات الذهانية الحادة aigues، نظرا لكل ذلك، ثم تطوير تقنية علاجية جديدة دمجية وهي "علاج الخطاطات thérapie des schémas" ذي المرجعية المعرفية أيضا، ولكنه يقوم على الاستفادة من المرجعيات السيكولوجية جميعها (التحليل النفسي، العلاج المعرفي السلوكي، العلاج البنائي، العلاج الجشطاتي..) في سبيل مقاربة تدخلية فعالة تقول بتشكل خطاطات مبكرة غير متكيفةnon adaptées  لدى الطفل هي المسؤولة عن تكوين الاضطرابات النفسية، الشيء الذي يفرض في الوقت نفسه العودة إلى طفولة الحالة من جهة، ثم التدخل بتمارين للحد من الأعراض السلوكية والانفعالية للاضطراب من جهة أخرى.  

المعالج النفساني أو العلاج النفسي...مهنة يتقنها الجميع:


تمنح صفة معالج نفسانيpsychothérapeute  بموجب القانون للطبيب النفسي وللأخصائي النفسي في الوقت نفسه، فكلاهما يمكنه أن يعتمد العلاج النفسي في مقاربته التدخلية. إلا أنه في الوقت الراهن أصبحنا نجد في مجموعة من اللافتات الاشهارية عبارة "العلاج النفسي"، يستعملها العشاب والفقيه والكوتش...بدون رقيب ولا حسيب. 

الكوتش أو المدرب في التنمية الذاتية...من مهمة التأهيل إلى تحدي التشخيص والعلاج: 


إذا كان هناك من مبرر للجدل الحاصل اليوم حول التنمية الذاتية في المغرب، فالأكيد أنه لا يرتبط بعدم وجود هذا التخصص، وإنما بغياب تام لأي قانون ينظمه، وبالكيفية التي يمارس بها عندنا ثم غياب مسارات أكاديمية معترف بها كما هو موجود في دول أخرى كدولة كندا، تكون متخصصين في هذا المجال وتمنحهم ديبلومات مهنية كما هو الحال في باقي التخصصات وتحدد بشكل دقيق مجالات وحدود تدخلهم. الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام مجموعة من الأفراد (غالبيتهم فشلوا في تخصصاتهم الأكاديمية أو المهنية) بين عشية وضحاها فكروا في امتهان هذا المجال، فلم يجدوا أي عائق أمامهم غير توفير قدر من المال والبحث عن دورة تدريبية يشرف عليها في الغالب شخص قطع نفس هذا المسار، وفي الغالب لا تتجاوز هذه الدورات التدريبية مدة أسبوع، ليمنح للمتدرب دبلوم يتيح له التفنن في اختيار ما يشاء من المواضيع وتنظيم دورات تدريبية فيها.
وحتى إذا سلمنا جدلا بوجود أفراد لهم من التكوين والخبرة ما يكفي ليجعلهم يحملون صفة "كوتش" فلا بد من احترام الحدود التدخلية المتعارف عليها عالميا، والتي تتحد في تحفيز الأفراد ومساعدتهمle soutien  على التكيفL’adaptation  مع الواقع. ومن تم فمن الضروري أن تتموقع جميع الدورات التدريبية والتأهيلية ضمن هذا الهدف العام، دون أن تتجاوزه إلى ادعاء القدرة على ممارسة الارشاد والعلاج النفسي بل وتكوين متخصصين في هذه المجالات، وادعاء القدرة كذلك على تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية وما شابه ذلك، وذلك بالنظر إلى حساسية هذه المواضيع واستلزامها لتقنيات وأساليب دقيقة للتدخل، وكذلك بالنظر إلى أن أي خطأ على مستوى التشخيص أو على مستوى المقاربة التدخلية من شأنه أن يزيد من تعميق المعاناة النفسية بدل التخفيف منها.
وفي نهاية هذه الورقة يمكن القول أنه في ظل غياب إرادة حقيقة للدولة عبر جميع أجهزتها الرسمية لبلورة سياسة تدخلية حقيقية ومتكاملة تستوعب جميع الأطراف المتدخلة لتصحيح هذه الوضعية المتأزمة التي يعرفها قطاع الصحة النفسية في بلادنا، وبالنظر إلى غياب هيئات مدنية وازنة من شأنها صياغة برامج نضالية وتوعوية حقيقية دفاعا عن الحقل السيكولوجي ببلادنا، سيظل هذا الأخير غارقا في متاهات الظلام حتى إشعار آخر.

محمد ناصيري NACIRI Mohamed :  أخصائي نفساني - باحث في علم النفس
الاسمبريد إلكترونيرسالة