U3F1ZWV6ZTIzNTI1NjE0MzQyX0FjdGl2YXRpb24yNjY1MTI3NTM2MDQ=
random
أخبار ساخنة

الطفل العبقري بين التفوق والموهبة

الطفل العبقري بين التفوق والموهبة


  انصبت أعمال واهتمامات الباحثين التربويين على دراسة فئة المتفوقين والموهوبين دراسيا، نظرا لمتطلباتهم وحاجتهم للرعاية، وكذلك على اعتبار الفئتين لها تأثيرها على كيان الفرد، ويظهر ذلك بما يتسم به الطالب المتفوق من مزايا ايجابية متمثلة في اجتهاداته وانضباطه مما يؤدي به إلى النجاح المدرسي وكذلك توقع التفوق في الحياة المستقبلية ما ينعكس عليه وعلى مجتمعه بالإيجاب. ولاعتبار فئة المتفوقين دراسيا بمثابة الثروة التي يملكها المجتمع والتي تسعى لتقدمه وتطوير اقتصاده. دفع موضوع المفاهيم في مجال التفوق البشري الكثير من الباحثين إلى البحث والدراسة. فقد استخدمت مفاهيم كثيرة ذات معان مختلفة للدلالة على ما يتميز به التلميذ من استعدادات عالية (كالنبوغ، والامتياز، والعبقرية، والموهبة، والتفوق). لأن هناك العديد من التعريفات تناولت مفهوم التفوق ويرجع سبب ذلك إلى التباين في مجالات التفوق منها مجالات مهنية، فنية وأكاديمية...، وباعتبارها هامة في تحديد التفوق ولأن كذلك العديد من الباحثين اعتمدوا في تحديدهم لمفهوم التفوق ومن هو المتفوق؟ على محكات مختلفة. ومن خلال مراجعة الأدب التربوي، سيتم التطرق للدراسات والأبحاث التي أحدثت تأثيرا كبيرا في تطور المفاهيم والتعريفات والخصائص والتصنيف وأساليب الكشف عن المتفوقين دراسيا.

التفوق الدراسي والموهبة


اختلف الباحثون في تعريف مفهومي التفوّق والموهبة وذلك باختلاف اتجاهاتهم النظرية وخبراتهم العملية. واتفقت المعاجم العربية والانجليزية من الناحية اللغوية على أن الموهبة(Giftedness) تعني قدرة استثنائية أو استعداداً فطرياً غير عادي لدى الفرد. بينما ترد كلمة التفوَق(Talent) إما كمرادفة في المعنى لكلمة الموهبة، وإما بمعنى قدرة موروثة أو مكتسبة سواء أكانت قدرة عقلية أو قدرة بدنية. وظهر الخلط وعدم الوضوح في استخدام مصطلحي التفوّق والموهبة من الناحية التربوية الاصطلاحية في البحوث والمؤلفات الانجليزية والعربية، حيث بدأ عدم التمييز في المعنى الاصطلاحي بين المفهومين في قواميس اللغة الانجليزية. فترد كلمة(Talent) كأحد مرادفات كلمة(Giftedness)، ويشمل معنى كلمة (Talent) كلاً من القدرات العقلية والبدنية الفطرية والمكتسبة بشرط أن تكون من مستوى رفيع.
أما كلمة(Giftedness) فيقتصر معناها على القدرة الفطرية أو الموروثة. كما ظهر الخلط وعدم التمييز في المعنى الاصطلاحي بين المفهومين في المؤلفات العربية. فكلمة(Gifted) وردت بمعان مختلفة من بينها: متفوَق ومتميّز وموهوب. بينما وردت كلمة(Talented) بمعنى واحد وهو موهوب.
وقد تكون هذه الحالة ناجمة عن مشكلة الترجمة كما تعكسها قواميس اللغة العربية والتربية التي تعرَب المفردات والتعبيرات الانجليزية. فهذه القواميس لا تفرق بين كلمتي(Gifted) و(Talented) وتترجمها بنفس المعنى إلى موهوب.
وقد اتبع بعض الباحثين في تعريفاتهم للتفوَق محك الذكاء مثل ترمان(Terman) ولويس(Lewis) وهولنجورث(Hollingworth) ولايكوك(Laycock) وغيرهم. واتبع البعض الآخر محك التحصيل الدراسي مثل باسو(Passow) وديور(Durr) وكارسون(Carson)  وغيرهم.
بينما يرى باحثون آخرون ضرورة عدم الاكتفاء بمحك واحد لتعريف التفوَق، بل يجب الاعتماد على أكثر من محك مثل الذكاء والتحصيل وآراء المدرسين وسجلات المدرسة واختبارات القدرات الخاصة وما إلى ذلك، ومن هؤلاء الباحثين نجد ويتي(Witty) وكلباتريك(Kilpatrick) وديهان(Dehaan) وهافجرست(Havighurst) وغيرهم.
  وقد اختلف المبدعون حول تحديد مفهوم الموهبة، وبالرغم من ذلك اعتقد كثير منهم ضرورة الوصول إلى تعريف محدد كبداية للممارسات التي يجب أن توجه إلى الموهوبين، واستخدام الأدوات والمقاييس التي تسهل عملية اكتشافهم والطرق التي تنمي قدراتهم.

وتأتي مشكلة تعريف الموهبة من اختلاف الباحثين حول مجالات التفوّق التي يعتبرونها هامة في تحديد الموهبة. فبينما يركز البعض على التفوّق في القدرات العقلية العامة، يركز آخرون على القدرات الخاصة أو التحصيل الأكاديمي أو الإبداع أو بعض سمات الشخصية .
وفي النصف الثاني من القرن العشرين استخدم مصطلح الموهبة للتعبير عن التفوّق، ويشير تورانس (Torrance) في بعض المراجع إلى انتشار استخدام الموهبة في أمريكا بمعنى التفوّق العقلي أحياناً، مما أدى ذلك إلى الربط بين الذكاء والتحصيل، وأحياناً بمعنى الإبداع، لذلك ركز الباحثون على قدرات الأصالة والمرونة والطلاقة، كما استخدم مصطلح موهبة بمعنى المواهب الخاصة في مجال معين مثل الموسيقى أو الفنون أو الآداب.
ويذكر بعض الباحثين أن الموهبة هي قدرة خاصة موروثة كالقدرة الرياضية أو الفنون عامة .
أما بالنسبة لتعريف مكتب التربية الأمريكية للموهبة فقد قدم مارلاند عام 1975(Marland) تعريفاً شاملاً مرادفاً للتفوّق مشيراً إلى أن الأطفال الموهوبين والمتفوّقين هم أولئك الأطفال الذين يتم تحديدهم والتعرّف عليهم من قبل أشخاص مهنيين مؤهلين، والذين لديهم قدرات عالية، والقادرين على القيام بأداء عالٍ، وأنهم الأطفال الذين يحتاجون إلى برامج تربوية وخدمات إضافية على البرامج التربوية العادية المقدمة لهم في المدرسة، وذلك من أجل تحقيق مساهمتهم لأنفسهم وللمجتمع، كما أن الأطفال القادرين على الأداء يشملون أولئك الذين يظهرون تحصيلاً مرتفعاً أو إمكانات وقدرات في المجالات التالية:
1- قدرات عقلية عامة. 
2- قدرات تحصيل محددة. 
3- ابتكار أو إنتاج ابتكاري. 
4- قدرات قيادية.
5- فنون بصرية وأدائية. 
6- قدرة نفسحركية،إلاّ أن مكتب التربية الأمريكي قد حذف القدرة النفسحركية واكتفى بالخمس القدرات الأولى.
ومن أشهر التعريفات الاصطلاحية للموهبة التعريف الذي طوّره رنزولي (Renzulli,1987 حيث يؤكد أن الموهبة تتكوّن من التفاعل بين ثلاث مكوّنات أساسية هي: 
1- القدرات العقلية. 
2- الإبداع. 
3- الاتزام بالمهمة.

ويشير هذا التعريف إلى أن الموهوبين هم الذين يمتلكون أو لديهم القدرة على تطوير هذا الترتيب من الخصائص أو السمات واستخدامها في أيّ مجال من المجالات الإنسانية. وهؤلاء الموهوبون يحتاجون إلى فرص تعليمية وخدمات تربوية. وقد اهتم العلماء بهذا التعريف لأن أيّ متفوّق أو موهوب لابد وأن يستخدم الخصائص الثلاث في أيّ مجال من المجالات وهي القدرة العقلية العالية، القدرة الإبداعية العالية والدافع القوّي للإنجاز والمثابرة. ويفرّق بعض الباحثين بين مفهومي التفوّق والموهبة، حيث يستخدم مصطلح متفوّق عندما نكون بصدد الحديث عن التميّز العام للفرد سواء كان في الذكاء أو التحصيل الدراسي بصورة عامة، بينما يستخدم مصطلح موهوب لوصف الفرد الذي يظهر مستوى أداء في بعض المجالات التي تحتاج إلى قدرات خاصة سواء كانت علمية أو فنية أو عملية، وليس من الضروري أن يتميّز الفرد بمستوى مرتفع من حيث الذكاء، بل قد يكون متوسط الذكاء، ولا يشترط أن يتميّز بمستوى تحصيل دراسي مرتفع بصورة ملحوظة بالنسبة لأقرانه.


التفوّق الدراسي والعبقرية:


  لقد تم استخدام في القرن الثامن عشر مصطلح العبقرية بمعنى التفوّق للدلالة على ملكة الاختراع التي تمكن الفرد من الوصول إلى اكتشاف فئات جديدة، ثم تطوّر استخدامه على يد العالم الإنجليزي جالتون(Galton) في القرن التاسع عشر للدلالة على الأفراد الذين ورثوا استعدادات عقلية متميّزة تمكنهم من إحراز مكانة مرموقة وشهرة في مجالات الحياة المختلفة.
ويعتبر العالم الأمريكي ترمان (Terman) من أوائل الباحثين الذين أصّلوا مصطلح العبقرية إجرائياً في دراسته الطولية على الأطفال التي بدأت عام 1921 واستمرت لمدة حوالي 30 سنة، واستخدم فيها نسبة الذكاء كمحك للعبقرية التي قدرت بـ 140 درجة فأكثر للتلاميذ في المرحلة الأولى، وبـ 135 درجة فأكثر لتلاميذ مرحلة التعليم الثانوي، وذلك باستخدام اختبار ستنافورد-بينيه.
والعبقرية هي القدرة على التعلم بدرجة تفوق العاديين بكثير أو بامتياز في الذكاء 
أو هي الأداء المتفوّق الذي لا يفوقه شيء في الجودة والدقة والخبرة. لذلك فالشخص العبقري هو الذي يظهر نبوغاً عالياً جداً، ويأتي بأعمال عبقرية في مجال أو أكثر من المجالات التي يقدرها المجتمع.
ويمكن القول بأن العباقرة تضم الأفراد الذين يقدمون أعمالاً تتسم بالجدة والدقة والجودة العالية جداً، حيث يتمتع العباقرة بالموهبة، والذكاء المرتفع والإبداع الراقي، فهم على قمة النابغين والمتفوّقين.
ويتفق مع هذا التوجه بعض الباحثان وإن اختلفا بعض الشيء فيعرّفان العبقري بأنه: " الفرد الذي يظهر بوضوح وعلى نحو استثنائي قدرة عقلية عالية، وليست هناك نسبة ذكاء معينة متفق عليها عالمياً كمؤشر يدل على هذا المستوى. لكن نسبة الذكاء التي تبلغ 150 درجة أو أكثر يمكن اعتبارها في معظم الحالات ممثلة لمستوى العبقرية".

⇦ على الرغم من أن موضوع التفوّق يبدو بسيط الطرح نظرياً، إلاّ أنه ظاهرة تربوية لابد التعامل معها بأكثر جدية وموضوعية، وبطرق تربوية مبنية على أسس علمية.
وقد تباينت اتجاهات الباحثين السيكولوجيين والتربويين في تفسير ظاهرة التفوق الدراسي من حيث المفهوم والعوامل المؤثرة فيها، وخلصت بعض الدراسات أن الظاهرة لابد من تفسيرها في إطار المجال الأكاديمي، أيّ مدى ارتباطها بشكل كبير بمحك التحصيل الدراسي كمؤشر يكشف مدى تفوّق أو تأخر المتعلم في دراسته، وبشكل آخر فإن من خلال ارتفاع أو تدني تحصيل التلميذ الدراسي يمكن تصنيفه إلى فئة المتفوّقين أو المتأخرين دراسياً. وعلى المستوى النفسي الاجتماعي فالتفوّق الدراسي يشكل مفخرة واعتزاز للفرد أوّلاً، للأسرة ثانياً، وللمؤسسة التعليمية التي يدرس بها ثالثاً، وبذلك يزداد طموح الفرد ونظرته للمستقبل. كما أن للمتفوقين صفات إيجابية تساعد للكشف عنهم وأنها مميزة وتختلف عن فئة الأفراد العاديين، حيث أنهم يتصفون بارتفاع الدافعية للإنجاز والثقة بالنفس إلى غيرها من الصفات الإيجابية، ما يتوجب على المربين وأولياء الأمور رعاية تلك الفئة المميزة وخلق مناخ ملائم يسهم في تنمية هذه الخصائص العقلية والانفعالية والاجتماعية لدى الفرد المتفوق، وتحافظ على استمرارها مع تقدم السن كما يؤدي انعدامها إلى إضعاف تلك الخصائص للفرد.
الاسمبريد إلكترونيرسالة